الحلبي

177

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

المحل سدرة فقعد صلى اللّه عليه وسلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء ، فقال : من الرجل الذي في ظل السدرة ؟ قال له : محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، فقال له : واللّه هذا نبي هذه الأمة ، ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام : أي وقد قال عيسى : لا يستظل تحتها بعدي إلا النبي الأمي الهاشمي كما سيأتي في بعض الروايات . قال الحافظ ابن حجر : يحتمل أن يكون أي سفر أبي بكر معه صلى اللّه عليه وسلم في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب انتهى . أقول : وهي سفرته مع ميسرة غلام خديجة ، فإنه لم يثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم سافر إلى الشام أكثر من مرتين . ويؤيده ما تقدم من قول الراوي وهم يريدون الشام في تجاراتهم ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يخرج تاجرا إلا في تلك السفرة ، وسيأتي أن هذا القول قاله الراهب نسطورا لا بحيرا ، قاله لميسرة لا لأبي بكر . إلا أن يقال : لا مانع أن يكون قال ذلك لميسرة ولأبي بكر ، لكن ربما يبعده ما سيأتي أن سنه صلى اللّه عليه وسلم حين سافر مع ميسرة كان خمسا وعشرين سنة على الراجح لا عشر سنين . وعلى هذا فالشجرة لم تكن إلا عند صومعة الراهب نسطورا لا عند صومعة الراهب بحيرا ، وذكر بحيرا موضع نسطورا ، وهو ما وقع في شرف المصطفى للنيسابوري وهم من بعض الرواة سرى إليه من اتحاد محلهما وهو سوق بصرى . إلا أن يقال : يجوز أن يكون الراهب نسطورا خلف بحيرا في ذلك الصومعة لموته مثلا ، وهو أقرب من دعوى تعدد الشجرة ، فتكون واحدة عند صومعة بحيرا ، وواحدة عند صومعة نسطورا ، وكلاهما قال فيها عيسى ما ذكرا . ومن دعوى اتحادها وأنها بين صومعة بحيرا وصومعة نسطورا وأن العير الذي كان فيه أبو طالب نزل جهة صومعة بحيرا ، والعير الذي كان فيه أبو بكر وميسرة نزل جهة صومعة نسطورا ، وسيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدّق بأنه صلى اللّه عليه وسلم نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام ، لأنهما لم يدركا البعثة : أي الرسالة بناء على اقترانهما بالنبوة ، أو أن المراد بها النبوة : أي لم يدركا النبوة فضلا عن الرسالة بناء على تأخرها عن النبوة . ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في بحيرا : ما أدري أدرك البعثة أم لا ؟ هذا كلامه في الإصابة ، وليس هذا بحيرا الراهب الصحابي الذي هو أحد الثمانية الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة . فعنه رضي اللّه تعالى عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا شرب الرجل كأسا من خمر » الحديث ، ومن قال : إن هذا الحديث منكر ظن أن بحيرا هذا هو بحيرا المذكور هنا الذي لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة ، واللّه أعلم .